سعيد حوي

3590

الأساس في التفسير

ما صنعوا » . وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » ، وعن عائشة رضي الله عنها « أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها مارية ، فذكرت له ما رأت فيها من الصور ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح - أو الرجل الصالح - بنوا على قبره مسجدا ، وصوروا فيه تلك الصور ، أولئك شرار الخلق عند الله » ، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : « اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » رواه مالك في الموطأ . وقد ضيق الرسول صلى الله عليه وسلم السبيل في وجه تجشم السفر الطويل ، وشد الرحال إلى المشاهد والضرائح ، والأمكنة المتبركة بقوله المأثور المشهور : « لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ، ومسجد الرسول ، والمسجد الأقصى » ( رواه البخاري ) ، فوقى بذلك أمته من الوقوع في فتنة المشاهد والآثار ، كما وقع فيها اليهود والنصارى ، والأمم الجاهلية ، وكانت فريسة الشرك والوثنية السافرة أحيانا كثيرة . لكن طوائف من المسلمين في القديم والحديث لم تعمل بوصيته التي لم ينسها في آخر عهده بالدنيا ، ولم تلق لها بالا ، وافتتنت بالمشاهد ، والآثار ، وشد الرحال إليها من بلدان نائية ، والعكوف عليها تبركا وتعبدا ، افتتانا عظيما ، فكان ذلك تصديقا لقوله ، وتحقيقا لإخباره : « لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم ، قيل : يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال : فمن » ( متفق عليه ) ، واغتصبت هذه المشاهد والضرائح - ومنها ما هو مكذوب ومزور - حظ المساجد ، وحظ المسجد الحرام في بعض الأحيان ، وقد جعلها الجهال في كثير من الأقطار ( كعبة ) يشدون إليها الرحال ، ويقصدونها من نواح بعيدة ، وقد اتخذوها عيدا يعودون إليه في كل سنة ويجتمعون في عدد كبير ، ويقيمون الأسواق . وقد أجاد شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية في وصف هذه الطوائف بجملته التاريخية البليغة ، ( مشاهدهم معمورة ، ومساجدهم مهجورة « 1 » ) ، والسائح في الأقطار الإسلامية يواجه هذه المشاهد والضرائح ، ومساحاتها الواسعة ، وأبنيتها الضخمة ، وقبابها الرفيعة في كل بلد يمر به ، ويرى هنالك من أعمال شركية كالسجود ، والنذور

--> ( 1 ) راجع ما قاله شيخ الإسلام في هذا الموضوع في الجزء الأول من منهاج السنة - ص 130 - 131 .